الشيخ محمد هادي معرفة
136
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وقوع ما وقع ، لكنّها صارت سبب هذا الانتساب ، ومن ثمّ كانت نسبة الأفعال إلى العباد نسبة اكتساب ، فهم مكتسبون لها بسبب إرادتهم هذه الحادثة تجاه إرادة اللّه القديمة التي هي العلّة والسبب ، وسابقة على إرادات العباد . وعليه فالعباد مكتسبون لأفعالهم وليسوا مختارين فيها ، وبذلك قال : إنّ لإرادة العباد تأثيرا ما ، وأراد جهة الاكتساب والانتساب لا التأثير في الوقوع ، أمّا تأثير إرادتهم في وقوع الأفعال وعدمه فينفيه ، لأنّه تحت إرادة اللّه المستقلّة السابقة على هذه الإرادات الحادثة . وقد شنع عليهم هذا الرأي - أيضا - بأنّه إذا لم يكن لإرادة العبد واختياره تأثير في الفعل وعدمه ، فما موقعية مسألة الكسب لتكون فاصلة بين الجبر والاختيار ؟ ! وقد تقدّم « 1 » أنّ الأشعري مهما حاول التخلّص عن شناعة القول بالجبر ، فإنّه جبري خالص ، وإنّما محاولته تلك التواء ونفاق ، ولا مفهوم لمسألة الكسب إطلاقا ! وإليك من تشبّثات الأشاعرة وسائر أهل الجبر فيما زعموه دليلًا على نفي الاستطاعة وسلب القدرة عن العباد : 1 - قال تعالى : « قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ » « 2 » أي عملكم ، على أنّ « ما » مصدرية . أو معمولكم ، على أنّ « ما » موصولة . فعلى الأوّل يكون نفس الإيجاد والإيقاع من فعله تعالى . وعلى الثاني فالعمل المتحقّق خارجا هو فعله تعالى . وعلى كلا التقديرين يثبت أن لاعمل للعبد . قاله التفتازاني . 2 - وقوله تعالى : « وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » . « 3 » 3 - وقوله : « ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ » . « 4 » 4 - وقوله : « قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ » . « 5 »
--> ( 1 ) - تقدّم أنّ أبا الحسن الأشعري يرى من تعلّق القدرة الحادثة بالمقدور كتعلّق العلم بالمعلوم ليس له تأثير أصلًا ، وقد تكلّمنا هناك عن مذهب الأشعري في الجبر ، ووهن مسألة الكسب التي ابتدعها للتخلّص عن شناعة القول بالجبر ، الأمر الذي كان فرارا من المطر إلى الميزاب . وراجع كلامه في الكسب أيضا في اللُّمع : ص 69 فما بعد . ( 2 ) - الصافات 95 : 37 - 96 . ( 3 ) - الفرقان 2 : 25 . ( 4 ) - الأنعام 102 : 6 . ( 5 ) - الرعد 16 : 13 .